هناك مكان غريب يعيش فيه الكثير منا. لا جدران له، لا أبواب مغلقة، ولا أحد يجبرنا على البقاء فيه. ومع ذلك… قد نقضي سنوات طويلة داخله. اسمه: “يومًا ما”.
يومًا ما سأتغير. يومًا ما سأصبح الشخص الذي أتخيله. يومًا ما سأهتم بنفسي أكثر. يومًا ما سأبدأ ما أجلته طويلًا. يومًا ما
الشيء المخيف في “يومًا ما” أنه لا يبدو كاستسلام. بل يبدو كأمل. كأنه وعد نطمئن إليه. لكن هناك فرقًا بين أن ننتظر الوقت المناسب، وبين أن نجعل المستقبل مكانًا نضع فيه كل الأشياء التي نخاف أن نبدأها اليوم.
كم مرة نظرنا إلى حياتنا وقلنا: عندما يصبح لدي وقت أكثر، سأبدأ. عندما أشعر بثقة أكبر، سأبدأ. عندما تصبح ظروفي أفضل، سأبدأ. عندما أصبح نسخة أفضل من نفسي، سأبدأ
لكن،ماذا لو أن الشخص الذي ننتظره لا يظهر قبل أن نتحرك؟ ماذا لو أن الثقة لا تأتي قبل الخطوة الأولى، بل تُولد بسببها ؟
نحن أحيانًا نظن أننا نحتاج إلى تغيير كامل حتى نبدأ. ننتظر اللحظة المثالية، الحماس المثالي، الظروف المثالية. لكن الحقيقة أن أغلب الأشياء الجميلة بدأت بطريقة عادية جدًا: بقرار صغير، بمحاولة بسيطة، بعودة بعد انقطاع، بخطوة لم يلاحظها أحد
ولعل من أجمل ما يعلّمنا إياه القرآن أن الإنسان لا يحتاج أن يكون كاملًا حتى يعود إلى الله
قال الله تعالى:
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾
لم يقل: انتظروا حتى تصبحوا بلا أخطاء. لم يقل: انتظروا حتى تصبحوا النسخة المثالية من أنفسكم. بل قال: سارعوا. ابدؤوا. اقتربوا.
ربما أكبر خدعة نعيشها هي اعتقادنا أن لدينا وقتًا لا ينتهي. نتحدث عن الغد وكأنه ملك لنا. نؤجل الاعتذار، نؤجل التوبة، نؤجل التعلم، نؤجل الأحلام. وكأن الحياة ستنتظر حتى نشعر أننا مستعدون.
لكن بعض الفرص لا تأتي مرتين. وبعض الأيام لا تعود.
لذلك ربما السؤال ليس: “من أريد أن أصبح يومًا ما؟” بل: “ما الشيء الصغير الذي أستطيع فعله اليوم لأقترب من ذلك الشخص؟”
فالحياة لا تتغير دائمًا بلحظة عظيمة. أحيانًا تتغير بأيام عادية جدًا: صفحة قرأتها، دعاء حافظت عليه، خطوة مشيتها، عادة صغيرة لم تتخلَّ عنها، محاولة جديدة بعد فشل
وربما الشخص الذي ننتظره طوال هذا الوقت لا يأتي من المستقبل, بل يُبنى في اختياراتنا الصغيرة التي لا يلاحظها أحد.
فـ”يومًا ما” ليس يومًا بعيدًا ننتظره، بل شيء نكتبه كل يوم.
والسؤال ليس: متى سأصبح الشخص الذي أريده؟
بل: هل أعيش اليوم بطريقة تقرّبني منه




لتكن البداية اليوم بما نملك ومن حيث نكون وبأقل القليل. فخطوة واحدة حقيقية الآن أفضل من ألف خطوة مثالية في خيال يوماً ما.
لكن كيف ابدأ ما هي الخطوة الأولى كيف …… كيف سأكون نفسي